العلامة المجلسي

89

بحار الأنوار

ويحكم ما يريد ، فأمسك الناس عنه ، ثم أضاف إلى الثمانين عشرة وجعل يقول : ( يا رب إليك المرجع ، وأنت ترى وتسمع ) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله ، فوقع عبد المطلب مغشيا " عليه ، فلما أفاق قال : ( وا غوثاه إليك يا رب ) وجذب ابنه للذبح وضجت الناس بالبكاء والعويل رجالا " ونساء " ، فعند ذلك صاح عبد الله في وثاقه ( 1 ) وقال : يا أبت أما تستحيي من الله ؟ كم ترد أمره وتلح عليه ؟ هلم إلي فانحرني فإني قد خجلت من تعرضك إلى ربك في حقي ، فإني صابر على قضائه وحكمه ، وإن كنت يا أبت لا تقدر على ذلك من رقة قلبك علي يا أبتاه فخذ بيدي ورجلي واربطهما بعضهما إلى بعض ، وغط وجهي لئلا ترى عينك عيني ، واقبض ثيابك عن دمي لكيلا تتلطخ بالدم ، فتكون إذا لبست أثوابك تذكرك الحزن علي يا أبت ، وأوصيك يا أبتاه بأمي خيرا " ، فإني أعلم أنها بعدي هالكة لا محالة من أجل حزنها علي فسكنها وسكن دمعتها ، وإني أعلم أنها لا تلتذ بعدي بعيش ، وأوصيك بنفسك خيرا ، فإن خفت ذلك فغمض عينيك فإنك تجدني صابرا " ، ثم قال عبد المطلب : يعز علي يا ولدي كلامك هذا ، ثم بكى حتى اخضلت لحيته بالدموع ، ثم قال : ( يا قوم ما تقولون ؟ كيف أتعرض على ربي في قضائه ؟ وإني أخاف أن ينتقم مني ( 2 ) ، ثم قام ونهض إلى الكعبة فطاف بها سبعا " ودعا الله ومرغ وجهه وزاد في دعائه ، وقال : ( يا رب امض أمرك فإني راغب في رضاك ( 2 ) ) ثم زاد على الإبل عشرة فصارت مأة ، وقال : من أكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له ، ثم قال : ( رب ارحم تضرعي وتوسلي وكبري ) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها ، فضربها فخرج السهم على الإبل ، فنزع الناس عبد الله من يد أبيه ، وأقبلت الناس من كل مكان يهنئونه بالخلاص ، وأقبلت أمه وهي تعثر ( 4 ) في أذيالها فأخذت ولدها وقبلته وضمته إلى صدرها ، ثم قالت : ( الحمد لله الذي لم يبتلني بذبحك ،

--> ( 1 ) الوثاق : ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما . ( 2 ) في المصدر : فانى أستحيي أعاوده مرة أخرى فينتقم منى . ( 3 ) في المصدر : ما أنا راغب عن قضائك . ( 4 ) أي تسقط .